ليس كل خلاف مالي سببه عدم السداد … أحيانًا يبدأ الخلاف من صياغة العقد
قد تنشأ بعض النزاعات المالية رغم وجود عقد مكتوب بين الأطراف، ليس بسبب امتناع أحدهم عن الوفاء بالتزاماته، وإنما نتيجة اختلاف في تفسير بنود الاتفاق وحدود الحقوق والالتزامات التي يرتبها. وفي إحدى القضايا التي باشرها مكتب عبدالله محمد الملا للمحاماة والاستشارات القانونية، تحولت مطالبة مالية كبيرة إلى نزاع امتد عبر درجات التقاضي، قبل أن ينتهي بحكم نهائي أكد أن الفيصل عند اختلاف الأطراف ليس ما يعتقده كل طرف، وإنما ما يثبته العقد، وما تؤيده الوقائع والمستندات.
بدأت القضية عندما نشأ خلاف حول استحقاق مقابل مالي استنادًا إلى تفسير أحد طرفي العقد لبنوده، في حين تمسك موكل المكتب بأن الاتفاق لا يمتد إلى المطالبات المطروحة، وأن نطاق الالتزامات المتفق عليها يختلف عما يدعيه الطرف الآخر. ومع صدور حكم ابتدائي ألزم موكل المكتب بسداد مبلغ كبير، لجأ الموكل إلى المكتب لإخراجه من هذا المأزق، وأصبح من الضروري دراسة الملف بالكامل، وتحليل العقد بندًا بندًا، والعودة إلى التسلسل الزمني للعلاقة التعاقدية وما رافقها من إجراءات ووثائق.
ومنذ تولي القضية، بنى مكتب عبدالله محمد الملا للمحاماة والاستشارات القانونية استراتيجيته على قراءة دقيقة للعقد وربط نصوصه بالوقائع الثابتة في الأوراق، بعيدًا عن أي تفسير يتجاوز ما اتفق عليه الطرفان.
فقد ركز المكتب أولًا على تحديد النطاق الحقيقي للاتفاق، وبيان أن الحقوق والالتزامات التعاقدية لا يجوز التوسع في تفسيرها بما يتجاوز ما ورد في العقد أو ما يثبته تنفيذ الالتزامات عمليًا.
كما أولى أهمية كبيرة للتسلسل الزمني، موضحًا أن توقيت إبرام العقد، وطبيعة الأعمال التي تمت بعده، يشكلان عنصرًا أساسيًا في تحديد ما إذا كانت المطالبات المالية تدخل ضمن الاتفاق أم تخرج عن نطاقه.
واعتمد المكتب كذلك على المستندات والوقائع الثابتة لإبراز الأعمال التي ثبت تنفيذها، والتمييز بينها وبين الأعمال التي لا يشملها الاتفاق محل النزاع، بما يضمن تطبيق العقد وفقًا لمضمونه الحقيقي، وليس وفق تفسير لاحق لأي من الطرفين.
وأثمرت هذه الاستراتيجية عن تعديل الحكم الابتدائي بصورة جوهرية أمام محكمة الاستئناف، بعد إعادة تقييم نطاق الالتزامات الناشئة عن العقد في ضوء الوقائع والمستندات، ثم طعن الخصم بالتمييز واستقرت النتيجة نهائيًا بعد عدم قبول الطعن بالتمييز، ليصبح الحكم عنوانًا للحقيقة القانونية في هذا النزاع.
وتكتسب هذه السابقة القضائية أهميتها لأنها تؤكد مبدأ يتجاوز حدود هذه القضية، وهو أن كثيرًا من النزاعات المالية لا يكون سببها امتناع أحد الأطراف عن السداد، وإنما اختلافهم في تفسير ما اتفقوا عليه منذ البداية. وعندما يصل الخلاف إلى القضاء، فإن المرجع الحقيقي لا يكون الانطباعات أو التوقعات، بل نصوص العقد، وما يثبت تنفيذها من وقائع وأدلة.
والدرس القانوني الذي تبرزه هذه القضية أن قيمة العقد لا تكمن في مجرد وجوده، وإنما في دقة صياغته ووضوح بنوده، وتحديد الحقوق والالتزامات وآلية تنفيذها بصورة لا تترك مجالًا لاختلاف التفسير عند نشوء أي نزاع.
وتؤكد هذه القضية أن العقد ليس مجرد مستند يُوقّع، بل هو أداة قانونية لتنظيم العلاقة بين الأطراف وحماية حقوقهم عند نشوء أي خلاف. ومن هذا المنطلق، يولي مكتب عبدالله محمد الملا للمحاماة والاستشارات القانونية عناية خاصة بصياغة العقود ومراجعتها، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن وضوح البنود وتحديد الالتزامات منذ البداية يمثلان الخطوة الأولى لتجنب النزاعات وحماية المصالح مستقبلًا.
لذلك، سواء كان الاتفاق متعلقًا بمقابل خدمات، أو عمولات، أو نسب من أرباح، أو أي التزام مالي آخر، فإن صياغته بصورة واضحة ودقيقة تعد استثمارًا قانونيًا يحمي جميع الأطراف، ويقلل من احتمالية نشوء خلافات قد تستغرق وقتًا وجهدًا وتكاليف كان بالإمكان تجنبها منذ البداية.
وإذا كنت بصدد إبرام عقد أو اتفاق مالي، أو لديك عقد قائم وترغب في التأكد من وضوح حقوقك والتزاماتك قبل نشوء أي خلاف، فإن مراجعة العقد قانونيًا في الوقت المناسب قد توفر عليك الكثير من الوقت والتكاليف والنزاعات مستقبلًا. فلكل قضية ظروفها الخاصة، ويظل الوصول إلى أفضل نتيجة قانونية مرتبطًا بدراسة الوقائع، وتحليل المستندات، وبناء الاستراتيجية القانونية المناسبة منذ البداية.